ابو القاسم عبد الكريم القشيري

217

شرح الأسماء الحسنى

فصل : كيف يكون البسط والقبض : فإذا كاشف الحق سبحانه عبدا بنعت جماله بسطه ، وإذا كاشفه بوصف جلاله قبضه ، فالقبض يوجب إيحاشه والبسط يوجب إيناسه ، واعلم أنه يرد العبد إلى أحوال بشريته فيقبضه حتى لا يطيق رده ويأخذه مرة عن نعوته فيجد لتحمل ما يرد عليه قوة وطاقة « 1 » . يحكى عن أبي عثمان الحيري أنه كان عند أبي حفص أستاذه فمد يده إلى زبيب ، فأخذ أبو حفص على حلقه واسترده منه ، فلما سكن أبو حفص قال له أبو عثمان : يا أستاذ أنا أعلم أنه ليس للدنيا عندك حظ فكيف ضايقتنى في زبيبة ؟ فقال أبو حفص : من ذا يثق بقلب لا يملكه صاحبه . ويحكى عن بعضهم أنه قال : كنت مع الخواص في سفر فنزلنا تحت شجرة فجاء أسد فربض بقربنا ، ففزعت فزعا شديدا وعلوت الشجرة وقعدت على غصن إلى الصباح ، من خوف الأسد ، ونام الخواص ولم يحفل به ، فلما كان الليلة الثانية نزلنا في مسجد فنام الخواص فوقع على وجهه بقة فضج ،

--> ( 1 ) القابض الباسط من العباد من ألهم بدائع الحكم ، وأوتى جوامع الكلم ، فتارة يبسط قلوب العباد بما يذكرهم من آلاء اللّه ونعمائه ، وتارة يقبضها بما ينذرهم به من جلال اللّه وكبريائه وفنون عذابه وبلائه وانتقامه من أعدائه ، كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قبض قلوب الصحابة عن الحرص على العبادة ، حيث ذكر لهم أن اللّه تعالى يقول لآدم يوم القيامة : ابعث بعث النار ، فيقول : كم ؟ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، فانكسرت قلوبهم حتى فتروا عن العبادة ، فلما أصبح ورآهم على ما هم عليه من القبض والفتور روّح قلوبهم وبسطهم ، فذكر أنهم في سائر الأمم قبلهم كشامة سوداء في ثور أبيض .